الخطيب الشربيني

579

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ذهولا ، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفى عن سيئها . وَيَنْقَلِبُ أي : يرجع بنفسه من غير مزعج برغبة وقبول إِلى أَهْلِهِ أي : الذين أهله بهم في الجنة من الحور العين والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين مَسْرُوراً أي : قد أوتي جنة وحريرا ، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقا من العرض على الله يحاسب نفسه حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ وهو الكافر تغل يمناه إلى عنقه ، وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه . فَسَوْفَ يَدْعُوا أي : بوعد لا خلف في وقوعه ثُبُوراً يقول : يا ثبوراه ، والثبور : الهلاك ، كقوله تعالى : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [ الفرقان : 13 ] . وَيَصْلى سَعِيراً أي : يدخل النار الشديدة . وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام ، والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، وإذا فتح ورش غلظ اللام ، وإذا أمال رقق والباقون بالفتح . إِنَّهُ كانَ أي : بما هو له كالجبلة فِي أَهْلِهِ أي : عشيرته في الدنيا مَسْرُوراً قال القفال : أي : منعما مستريحا من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد مقدما على المعاصي آمنا من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله تعالى ، ولا يرجوه فأبدله الله تعالى بذلك السرور غما باقيا لا ينقطع . وقيل : إنّ قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً كقوله تعالى : وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [ المطففين : 31 ] أي : متنعمين في الدنيا معجبين بما هم عليه من الكفر بالله تعالى والتكذيب بالبعث ، ويضحكون ممن آمن بالله تعالى ، وصدّق بالحساب كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » . إِنَّهُ ظَنَّ أي : لضعف نظره أَنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي : أنه لَنْ يَحُورَ أي : لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا بالمعاد . يقال : لا يحور ولا يحول ، أي : لا يرجع ولا يتغير . قال لبيد « 2 » : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وعن ابن عباس : ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها : حوري ، أي : ارجعي . وقوله تعالى : بَلى إيجاب لما بعد النفي في لن يحور ، أي : بلى ليحورنّ . إِنَّ رَبَّهُ أي : الذي ابتدأ إنشاءه ورباه كانَ أي : أزلا وأبدا بِهِ بَصِيراً أي : من يوم خلقه إلى يوم بعثه ، أو بأعماله لا ينساها . وقال عطاء : بصيرا بما سبق عليه في أمّ الكتاب من الشقاوة .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 2956 ، والترمذي في الزهد حديث 2324 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4113 ، وأحمد في المسند 2 / 197 ، والحاكم في المستدرك 3 / 604 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو للبيد في ديوانه ص 169 وحماسة البحتري ص 84 ، والدرر 2 / 53 ، ولسان العرب ( حور ) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1 / 110 .